محمد رأفت سعيد
42
تاريخ نزول القرآن الكريم
حاجة الأمة للنزول المفرق ونتناول وجها آخر يتعلق بالأمة وحاجتها إلى هذا النزول المفرق : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) [ آل عمران ] . بهذا وصف الناس قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ كانوا في ضلال مبين ، شمل ضلال العقيدة ، والتصورات التي بنيت عليها نحو الكون والإنسان والحياة ، كما تشمل الضلال في السلوك العملي للإنسان والعلاقات بين الناس ، ومن مظاهر الضلال في العقيدة : أن يصنع الإنسان إلهه بيده ثم يسجد له ويعلق حياته به رغبة ورهبة ، ومن ضلال تصورات الإنسان نحو الحياة أن جعلوها كل شئ ولا حياة بعدها ، وهذا التصور يفسد الحياة حيث يتحول في هذا التصور الإنسان إلى حيوان مفترس يريد أن يحظى بكل شئ ، ولو على حساب الآخرين ، وأن يشبع شهواته ولو أفسد حياة غيره ، فهذا التصور يقيم حياة الناس على أساس الظلم الذي قال عنه زهير الشاعر الجاهلي : ومن لا يظلم الناس يظلم ومن ضلال التصور للإنسان أن الإنسان يقاس بما يملك من مال وما ينتمى إليه من عصبية ، فمن ملك ذلك فهو العظيم في تصورهم ، ومن حرم من شئ من ذلك كان وضيعا ، وليس أهلا للمكرمات ، فصارت النظرة قائمة على عنصرية ظالمة لا دخل للإنسان فيها . ومن خلال التصور نحو الكون الذي يعيش فيه وبين آياته أن اتخذت بعض هذه الآيات للتقديس والعبادة من دون الله . ومن مظاهر الضلال في العلاقات أن النفوس التي بنيت على المعاني الفاسدة السابقة صارت نفوسا ضعيفة وشحنت بالعداوة والبغضاء ، وصار الطيش والسفه من سمات هذه النفوس ، وأصبحت الحروب تشن لأتفه الأسباب ، وصار التناصر في الحروب لا يقوم على الحق وإقامة العدل بل تحكمت فيه العصبية . لا يسألون أخاهم حين يندبهم * للنائبات على ما قال برهانا ومن هذا السفه وهذه الحماقة أخذت هذه الحياة صفة الجاهلية : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا